لقب بالإمام المجدد… تعرف علي قصة الإمام أبو العزائم “قطب صوفية مصر”

كتب: محمد عصام

 

لقد كانت الأمة الإسلامية تتصف بشىء من التماسك بسبب تواجد الخلافة الإسلامية باختلاف أشكالها ومبادئها، حتى نجح الأعداء فى إلغاء تلك الخلافة فى القرن العشرين الميلادى على يد كمال أتاتورك فى تركيا، وذلك حتى تتفكك الأمة، ويقطع الجسد الإسلامى أشلاء فتضعف قوتها، ويزول سلطانها، وفى تلك الفترة عاش الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم، الذى كان له دوره البارز فى توعية الأمة، وتربية الرجال، وتدعيم الروح الوطنية.

هجرة أجداد الإمام أبو العزائم إلى مصر:

فى القرن السادس الهجرى زالت دولة المرابطين بالمغرب، وحل مكانها دولة الموحدين الذين اعتنقوا مذهب المعتزلة، فاضطهدوا العلماء من أهل السنة، وحاربوا الفقهاء، وحرقوا كتبهم، وشردوهم، وعندئذ هاجر السيد ماضى – الجد الرابع للإمـام أبـو العزائم – إلى مصر فى مطلع القرن السابع الهجرى ، واستقر بقرية محلة أبو على مركز دسوق محافظة كفر الشيخ ، فقوبل بالحفاوة والتكريم، وقد كان أبناء السيد ماضى يشتغـلون بالتجـارة ، وعرف عنهم الجد والإستقامة وصلابة العود، الأمر الذى ازدادت بسببه مواردهم بين عام وعام، وكانوا فى أوقات فراغهم من التجارة ينشرون العلوم والمعارف بين أهالى هذه القرية.

2:أسرة الإمام أبوالعزائم

عاشت أسرة الإمام التى كانت تتكون من والده السيد عبد الله المحجوب، الذى ينتهى نسبه الشريف إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان يعمل بتجارة المحاصيل متنقلاً بين محلة أبو على ومدينة رشيد على ساحل البحر المتوسط، ورغم كثرة انشغاله بالتجارة والعمل إلا أنه كان عالمًا ومحبًّا للعلماء، وله مكتبة كبيرة تحتوى على شتى العلوم والمعارف، وكان بيته يضم زاوية للصلاة ومجالس الذكر، ومحلاًّ للضيافة وقاعة كبيرة للدرس ولقاء العلماء والمتعلمين.

أما أمه فهى السيدة آمنة الملقبة
بالمهدية، وكانت تتميز ببرها وعطفها على المساكين، وينتهى نسبها الشريف إلى سيـدنا الإمـام الحسن (عليه السلام)، وكان للإمام أخوة سبعة أشقاء ؛ ثلاثة من الذكور ، وأربع من الإناث، وقد اهتم بهم والـدهم غاية الاهتمام، وحـرص على تلقينهم علوم الفقه والأصول، والتفسير والحديث وسير الأئمة وتاريخ المسلمين.

3/مولده

لقد جاء مولد الإمام أبو العزائم فى ليلة الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة 1286هجرية الموافق 30 أكتوبر سنة 1869 ميلادية، بمسجد سيدى زغلول بمدينة رشيد، حينما ذهبت والدته بصحبة والده وأخته الكبرى لزيارة روضة ذلك الولى، وذلك فى ليلة الإسراء والمعراج، فولدته بجوار الضريح، واستهل الإمام أول أنفاسه فى بيت من بيوت الله.

4/نشأته وتربيته :

نشأ الإمام فى محلة أبو على فاستأثر فـي طفولتـه بعناية خاصة من والده السيـد عبـد الله المحجوب الذى كان يلازمه فى مجالسه التى لا تخلو من الذكر والفكر، فنشـأ مـحبًّا للتشبه بأفاضل الرجال فى السلوك والزى، وكان نظيفًا فى بدنه، طاهرًا فى ثوبه، حتى أنه كان محبًّا لارتداء العمامة، كما كان يصحب شقيقه السيد أحمد وشقيقته السيدة زينب إلى مكتـب تحفيظ القرآن الكريم بالقرية وهو فى حداثة سنه ، كما اشتهر بالفطنة والذكاء وحسن التصرف وسرعة البديهة ، فلما بلغ ست سنين بدأ حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد القفاص ، وأتمه ولما يتجاوز العاشرة ، كما حفظ في تلك الفترة المتون علي يد الشيخ عبد الرحمن عبد الغفار وهو من علماء الأزهـر الشريف، فحفظ كتاب “أقرب المسالك لمذهب مالك بن أنس” ، وقسم العبادات من “الموطأ”، ومن علم التوحيـد “متن السنوسيـة” ، ومن النحو “الأجرومية” و”الألفية” ، ومن علم الحديث “المختصر” للإمام الزبيدي، ، كما درس علـوم التوحيـد مع الشيخ محمد القفاص، وكذلك درس الفقه مع الشيخ محمد الخطيب ، وكلا الشيخين من علماء الأزهـر الشريف، وتلقى كتاب “إحياء علوم الدين” للإمام الغزالي، وكتاب “قوت القلوب” لأبي طالب المكي، وكتاب “الشفاء” للقاضي عياض، و”سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)” لابن هشام، و”الطبقات الكبرى” لابن سعـد على يد والـده السيد عبد الله المحجوب وكذا الشيخ غانم الخشاب ، وكانت له ساعـات يقضيها وحـده بين الكتب في مكتبـة والـده.

امتاز الإمام أبو العزائم فى هذه الفترة بحبـه الشديد للعلم، وحب شيوخـه له وحرصهـم علي إمداده بالعلـوم والفهـوم المختلفة لما رأوا فيه من فطنـة ونجابـة وأهلية للعلـم والتعلم، مع اجتماعه بكثير من علماء الطبقات التابعيـن لمذهب السلف الصالح من الرجال الصادقين من خلال صحبة والده عند زيارتهم أو زيارتهـم لوالـده.

5: التحاقه بالأزهر الشريف:

وفى السنـة السادسـة عشرة من عمره توجه الإمام إلى القاهرة لمنزل شقيقه السيد أحمد ، فتعرف هناك على الشيخ حسن الطويل ، الذى شجعه على الالتحاق بالأزهر، لما رآه فيه من الاستعداد الكامل لدراسة العلوم الشرعية ، فحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية ، ثم التحق بمدرسة دار العلوم الخديوية – كلية دار العلوم حاليًا وكانت تابعة للأزهر الشريف – وقد تلقى الإمام بالأزهر الشريف الفقه على مذهب الإمام مالك، والعقائد على أصول أهل السنة، والأخلاق على طريقة الإمام الغزالى، وتفسير القرآن الشريف وعلم الحديث رواية ودراية وغير ذلك من العلوم الشرعية، وفى تلك الفترة بدأ الإمام يكتب شروحًا ومشاهِـد وأذواق على بعض الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، وبعض أبيات نظميـة ومواجيـد قلبية في أمور يعتبر بها مما يدل على قدرة الله تعالى، أو بديع صنعـه، وصار ذكره قراءة القرآن، والتدبـر في معانيـه، وفي كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته الشريفة، وسيرة خلفائـه وأهل الخير من السلف.

٦/كما كان منهجه البحث عن العلم والعلماء الربانيين لينهل منهم العلم النافع فكان كلما سمع بصالح أو ولي أو عالم تقى زاره وسمع منـه، فإذا سمع منه الحكمة أو شيئًا من علوم التوحيـد أو الأخلاق أحبه ، وإن رأى غير ذلك سلم له وانصرف عنه، ولم يكن معارضًا أو منتقدًا أو مجادلاً، اللهـم إلا إذا رأى ما يغضب الله عز وجل ، فكان ينصح ويعظ برحمـة وليـن.

فمع ما تلقاه الإمام بالأزهر ومدرسة دار العلوم ، تلقى عن أئمة الطريق شرح مقامات اليقين وشرح الأوراد والأذكار الواردة عن أئمة الصوفية، حتى أجيز فى كل من الطريقة الشاذلية والطريقة القادرية والنقشبندية وطريق السيد أحمد بن إدريس، وطريق الإمام الغزالى، وغيرهم من الطرق.

7/وقد تخرج الإمام فى كلية دار
العلوم عام 1305ﻫ الموافق 1888م وعمره تسعة عشر عامًا ، وعمل فى البداية مدرسًا بمدرسة إدفو الابتدائية لمدة سنة دراسية، ثم انتقل إلى مدرسة الإبراهيمية الأولية، وعمل بها مدة أربع سنوات دراسية، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة المنيا، وكان فى كل مدرسة يذهب إليها لـه أثـره الواضح ليس على المدرسـة
فقط بل وعلى البلـدة والبـلاد المجاورة، وذلك على النحو التالى: فى إدفوكانت مدارس هذه البلدة خاوية من تلاميذها، حيث عمد أولياء الأمور إلى إخراج أبنائهم منها لاعتقادهم أن المدارس تفسد أخلاق النشئ وتبعدهم كذلك عن الدين، وكذلك الآباء كانوا بعيدين عن حضور الدروس الدينية بالمساجد . فعمل الإمام جاهدًا على جذب أهلها للمسجد للصلاة وحضور دروسه الدينية، وبعد فترة قصيرة إذا بالآباء مواظبون على المساجد، والأبناء فى المدارس، وأقبل التلاميذ على المدرسة الابتدائية حتى امتلأت، مما اضطر ناظر المدرسة فى نصف العام أن يطلب من الوزارة توسعة الفصول لاستيعاب أعداد المتقدمين فى السنة التالية.

وفى الإبراهيمية لما انتقل إلى مدرسة الإبراهيمية الأولية وجد كل ألوان المدنية فى هذه البلدة بما فيها من رغد العيش ومتع الحياة كلها، ومن ناحية أخرى وجد مساجد مهجـورة، وعدم إقبال على الآخرة بما فيها من نعيم مقيم ، فاهتم كثيرًا واغتم، وطلب العون من الله وبدأ الإمام من بيوت الكبراء والعظماء أمثال بيت محمد باشا
أبى ذقن، وبيت محمد باشا علمى، وسكن فى منزل من منازله، وبدأ فى إلقاء دروسه بمسجد عبد العزيز سعد ومسجد محمد أبى ذقن ومسجد حفيظ ومسجد الشيخ صبيحى. وكان يلقى دروسًا دينية يوميًّا بعد صلاة العصر بأكبر مساجد الإبراهيمية ، فالتف حوله أهالى الإبراهيمية والبلاد المجاورة، وكان حال المسجد وكأنه أشبه بصلاة يوم الجمعة من كثرة روَّاده.

وفى تلك الفترة التى عمل فيها الإمام بالإبراهيمية، صاحبه ولازمه محمد بك علمى وشقيقه أمين بك علمى، وكان الإمام يزور البلاد المجاورة فى وسط الأسبوع، فأصبح للإمام تلاميذ كثيرون فى المنيا:
لما توجه الإمام إلى المدرسة الابتدائية بمدينة المنيا فى أوائل شهر أكتوبر 1894م الموافق أواخر شهر ربيع الأول لعام 1311ﻫ، ودرس بها مدة عامين دراسيين، وكان عمره وقتذاك لا يتجاوز الخامسة والعشرين . فأعطى فيها الكثير ، تدريسًا فى المدرسة ، ومدارسة وتربية للرجال فى المسجد، شهد بذلك الجميع حتى مخالفوه.

 

وقد أثنت عليه مديرية التربية والتعليم بمحافظة المنيا فى نشرتها الدورية لعام1973م وذلك بمناسبة مرور مائة عام على إنشاء مدرسة المنيا الابتدائية الأميرية (1896-1973م) والتى تسرد فيها أخبار المدرسة منذ إنشائها، فأشارت على صفحة 22 تحت عنوان: زوار المدرسة من العظماء ما يأتى(ومن أبرز مدرسيها المرحوم السيد محمد ماضى أبو العزائم شيخ الطريقة العزمية، كان مدرسًا بها سنه 1310ﻫ([i][1])، ويقوم بتدريس اللغة العربية والدين، ونفاه الإنجليز بالسودان([ii][2]) لأسباب سياسة).

وقد لاقت دعوته القبول من عامة الناس والاستجابة من كثير من الأغنياء وذوى الجاه، منهم على باشا شعراوى وحسين باشا سرى ومحمد بك موسى عبيد وغيرهم، واستجاب لهذه الدعوة أيضًا مدرس اللغة الفرنسية بالمدرسة وهو المسيو بلنتونى الذى أقبل هو وزوجته على الإسلام وكان له فيما بعد أثر فى إسلام الكثيرين من بلدته بفرنسا.

وفى سنة 1311هـ بدأ الإمام يدعو إلى الله تعالى ويهدى إلى الصراط المستقيم، ويلقى دروسه بالمساجد ويملى مواجيده بين تلاميذه الذين اجتمعوا حوله للتلقى منه، فأملى عليهم آداب الطريق إلى الله تعالى وأسس السير فيه، وأملى صيغًا فريدة من الصلاة على سيدنا رسول الله (ص)، وجعل يرشد على السلوك الموصل إلى رضوان الله ومحبته بالذكر والعبادة وتطهير القلب وتزكية النفوس ومكارم الأخلاق والحب للناس كافة، فهيمنت علومه على جماهير المسلمين فى المنيا وما حولها، وأطلق على جامعته التربوية الدينية اسم (جماعة آل العزائم)، وأصبح للإمام إخوان كثيرون بالمنيا والبلاد المجاورة يطلبونه لسماع العلم والحكمة.

مكث الإمام عامين بالمنيا التى كانت تمثل بداية دعوته، وكان لها وأهلها مكانة خاصة فى قلبه.
فى الإبراهيمية مرة أخرى:
بعد أن أمضى الإمام عامين بالمنيا جاءه قرار النقل مرة أخرى إلى الإبراهيمية، ولم يمض على نقل الإمام لنفس المدرسة- التى عمل بها من قبل- أكثر من ثلاثة أشهر حتى قررت وزارة المعارف غلقها وتحويل طلبتها إلى المدارس المجاورة وذلك لقلة عدد الطلبة المقيمين بها.

ترك الإمام عائلته بالإبراهيمية وسافر إلى القاهرة، وبعد أن صلى فى مسجد سيدنا الحسين تقابل مع حسين بك رشدى- وقد كان مفتشًا بالمعارف وقتذاك- وذهب به إلى الوزارة وأخبره بخلو وظيفة مدرس لمادة الدين ومادة اللغة العربية بمدرسة سواكن الابتدائية بالسودان ، وأنه هو المرشح الوحيد لتلك الوظيفة لما يعلمه فيه من حب الجمهور له أينما حل وأينما سار، واستلم الإمام قرار التعيين لهذه الوظيفة، ثم توجه هو والشيخ صبيحى إلى السودان حيث وصلاها فى 10 شعبان 1313ﻫ الموافق 6 فبراير 1895م، وكان هذا التاريخ بمثابة الأيام الأخيرة من حكم المهدية بالسودان ليبدأ الإمام مرحلة جديدة من مراحل الجهاد الذى لا يفارقه أبدًا.

الإمام أبو العزائم فى السودان:
كانت سواكن تعتبر من أكبر وأغنى مدن السودان، وكعادة الإمام رضوان الله عليه، فإنه لم يكتف بواجب وظيفته كأستاذ بالمدرسة الأميرية، بل بادر إلى الدعوة لله تعالى فى المساجد والزوايا والمجتمعات العامة والخاصة والمناسبات والاحتفالات الدينية. ففيها قرأ البخارى لعلمائها وقسم العبادات من الموطأ، وصار له تلاميذ يحسنون الاقتداء والفهم فى علوم الحكمة العالية.
وفى عام 1898م خضعت سواكن للاحتلال الإنجليزى. وكان الناس فى شغل عن المدارس والتدريس، فالكل خائف من عدوهم الخارجى ومن الوشايات التى يدبرها أهل البلد فيما بينهم ، فكان وجود الإمام بينهم بعلومه ألفة لقلوبهم فصاروا بنعمة الله إخوانًا، وحببهم فى العلم وفى تلقيه.
وفى المدرسة الأميرية بسواكن أخذ الإمام يلقى على تلاميذه الدروس فى عظمة الجهاد والمجاهدين مبينًا مآثر الأمير عثمان دقنه وماله من فضل فى محاربته الإنجليز وأعوانهم، مما جعل التلاميذ يتأثرون بذلك وتنمو فيهم الروح الوطنية والغيرة على الإسلام ، ومن بينهم المؤرخ السودانى الشهير محمد صالح ضرار الذى كتب فى مقدمة كتابه (تاريخ سواكن والبحر الأحمر) قائلاً: وفى أحد أيام الدراسة ألقى علينا أستاذنا السيد محمد ماضى أبو العزائم محاضرة كلها بطولة وثناء على الأمير عثمان أبو بكر دقنه، فتاقت نفسى منذ ذلك التاريخ للبحث عن حياته.
ومن المساجد التى كان يلقى الإمام فيها دروسه: مسجد تاج السر (نسبة إلى الشيخ تاج السر شيخ الطريقة المرغنية وقتذاك بشرق السودان ، فالتف حوله جمع كثير من أبناء سواكن، منهم فضيلة الشيخ عبد الرحيم الحيدرى السواكنى، الذى كان نائبًا للطريقة المرغنية بمدينة سواكن .
وكان الإمام يرسل إلى المنطقة الجنوبية – التى تنتشر بها الوثنية – بعض أتباعه فى صورة تجار حاملين الملح نظرًا لعدم وجوده عندهم. فإذا أنسوا لهم كانوا يعرضون عليهم مبادىء الإسلام فى صورة سهلة سمحة رغبت فيه الكثير، وهنا تنبه الإنجليز إلى خطر الإمام الذى أوفد أتباعه إلى تلك المنطقة التى تجوبها جيوش المبشرين، فكان ذلك من الأسباب التى أدت إلى نقل الإمام إلى مدينة أسوان.

الانتقال إلى أسوان:

تسلم الإمام عمله الجديد بأسوان- وكان بصحبته عائلته- أواخر شهر جمادى الأولى 1316 الذى وافق 8 أكتوبر 1898، ومكث بها عامًا واحدًا.
وعلى غير ما اعتادت عليه أسوان ، اكتظ الجامع الكبير بأهل البلدة لسماع دروس الإمام، وكان من بين تلاميذه : الشيخ محمود العقاد (والد الكاتب عباس محمود العقاد)، وماهر بك (والد على باشا ماهر وأحمد بك ماهر الذين أحبوا الإمام حبًّا جمًّا)، وقاضى المحكمة الشرعية وفقيهها، وعائلة بشندى، وأحمد أفندى إبراهيم ملاحظ شونة الملح .
سواكن مرة أخرى:
عاد الإمام إلى سواكن واستقر بها عامين جدد فيهما دعوته إلى الله تعالى والتى كان قد بدأها من قبل ، وكانت القبائل تستضيفه فى سباق بينها على المدة التى يقيمها لدى كل منها أثناء زياراته للمناطق الممنوعة فى جنوب السودان، فلم يترك بقعة به إلا زارها وترك فيها أثرًا طيبًا، وكانت مراكز دعوته هناك أكثر من ثلاثين مركزًا يقوم عليها أبناؤه ومريدوه الأوائل وعدد من الشيوخ الذين عاصروه.
الانتقال إلى وادى حلفا:
وفى حلفا التى أصبحت محلاً لعمله، كان الناس مشتغلين بالملاهى عاكفين على ملاذ الدنيا واحتساء الخمر، منصرفين عن المسجد معرضين عن طلب العلم، فاهتم بتعمير مسجدها واستكماله، وحث الناس على المسارعة فى الفضائل والنأى عن الرزائل، فدبت فيه روح اليقظة الإسلامية وتوافدت على المسجد جموعهم لسماع درسه والأخذ بتوجيهه والاستنارة برأيه.
وكان يلتقى بالناس فى مجالسهم ومنتدياتهم ويسلك بهم سبيل الرشاد ، و كان أهل حلفا ودنقلة وشمال السودان يتسابقون إلى حلقات الإمام العلمية حتى ضاق بهم المسجد، وزار بلادًا كثيرة فى شمال السودان بدعوات من مشايخ قبائلها، وجمع الله عليه رجالاً أبرارًا أتقياء تلقوا عنه أوراده وأذكاره وسلكوا طريقه.
الانتقال إلى أم درمان:
جاء الإمام إلى أم درمان وهى مثقلة بالجراحات ، فقد كانت عاصمة وحاضرة الدولة المهدية والتى سقطت بمعركة كررى على مشارف شمال أم درمان أمام الجيش الإنجليزى الغازى.
فحرص الإمام على أن يغذى عقول الطلبة بعلوم مواد السنة الأولى لدار العلوم المصرية من نحو وصرف وبيان وبديع وتفسير وحديث .

وقد كانت له حلقة علم فى مسجدها الجامع حيث قرأ الموطأ وحكم بن عطاء الله، وفى أم درمان اتصل الإمام وتعرف على كثير من الشخصيات الوطنية منهم الشيخ مدثر إبراهيم الحجاز حامل أختام المهدى وهو تجانى الطريقة، والإمام عبد الله التعايشى ، والشيخ قريب الله أبى صالح الطيبى شيخ الطريقة السمانية بأم درمان، والشيخ أحمد السيد مفتى السودان، والشيخ عبد الرحمن محمد أحمد المهدى، والشيخ عبد المجيد الدفارى.

وكان يسعى لجامع أم درمان العام فيدرس به الفقه على مذهب الإمام مالك رضوان الله عليه من بعد صلاة المغرب إلى ما قبل صلاة العشاء، ثم يدرس بعد صلاة العشاء درسًا خاصًا فى الحديث الشريف حتى ينقضى الثلث الأول من الليل، فيعود إلى منزله حيث يجد كثيرًا من العلماء المصريين من أئمة القوة العسكرية قد سبقوه إليه، وكذلك قاضى قضاة السودان الشيخ محمد شاكر، فيتدارسون القرآن ويتجاذبون أطراف الحديث فى غوامض أسرار الصوفية ومآخذ أهل الذوق فى القرآن الكريم إلى منتصف الليل، وبعد انصرافهم لا يبقى معه إلا نفر قليل، فيملى عليهم ما كانوا يحتارون فى فهمه .

وأثناء إقامته بأم درمان أصدر مجلة (السعادة الأبدية) لسان حال الدعوة العزمية فى وادى النيل، والتى استمرت فى الصدور من عام 1903 حتى 1915م.
الانتقال إلى الخرطوم:
انتقل الإمام من مدينة أم درمان إلى الخرطوم أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية غردون (جامعة الخرطوم حاليا) ، وسكن الإمام ببرى لمدة تقارب العشر سنوات. وكان فى الإجازة المدرسية للكلية ينزل إلى مصر .

وكانت له دروس بداره يلقيها بعد صلاة العصروفى مسجد الخرطوم الكبير كان له مجالس ذكر وعلم منتظمة امتدت لما يقرب من عشر سنوات كان يدرس فيها تفسيره للقرآن الكريم (أسرار القرآن) والموطأ والبخارى وقسم العبادات من مدونة مالك ابن أنس.

وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م ودخول تركيا الحرب ضد بريطانيا وإعلانها الجهاد الإسلامى، دعا الحاكم البريطانى فى السودان الموظفين والأهالى واستنجد بالعلماء وبعض الزعماء الدينيين للوقوف مع بريطانيا مؤكدا أن البريطانيين أصدقاء الإسلام وحماته، فقاموا بتأييدهم وطمأنة الأهالى وإقناعهم بالوقوف ضد دعوة السلطان العثمانى ، وأرسلوا برقيات التأييد للحاكم العام (ونجت) والتى جمعت ونشرت فى كتاب باسم (سفر الولاء). وعندما انتصرت بريطانيا فى الحرب كان ضمن الوفد السودانى الذى ذهب إلى إنجلترا لتهنئة الملك مجموعة من العلماء والزعماء الدينيين .

فقام الإمام بتوعية المسلمين من شر هؤلاء، مبينًا أنهم يُمَوِّهُونَ على العامة بأنهم الدعاة إلى الله ، ويلفتون المسلمين عن العمل الواجب عليهم شرعًا وعقلاً من العلم والعمل للدنيا، لذا قاموا بالوشاية والكيد له عند الحكام الإنجليز وأوهموهم بأنه يعمل على تحطيم نفوذ الأئمة الدينيين والذين يعتمد عليهم الإنجليز فى قبول حكمهم لدى الأهالى، ، كما جندوا بعض أتباعهم للعمل كجواسيس لدى الإنجليز لينقلوا ما يدور فى مجالس ودروس الإمام ، ولكن الله كان يقيض له من يدافع عنه ويكشف الأمر على حقيقته ، وازداد قدم الإمام رسوخًا وازداد الناس ارتباطاً به، ينهلون من فيض فضل الله تعالى المفاض عليه.

كما كان يبث بين طلبته وتلاميذه ومريديه روح التدين، ويقوى ويعمق الرابطة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية على أساس أن الإسلام هو النسب وهو الوطن وهو الدين، ويحذر الجميع من الوقوع فى حبائل الاستعمار، ويبين مكايده وعمله على استنـزاف ثروات وعقول المسلمين.

لذا كان كثيرًا ما يصطدم بإدارة الكلية، فكتب الحاكم العام (ونجت) باشا يقول عام 1915م: (إن المعلمين المصرين فى الكلية أدخلوا بين الطلبة الدعاية الوطنية، ويرى أن أمام الإدارة الوطنية خيارين لمواجهة هذا الموقف: إما بترك الأمور كما هى وما تحمله من خطر انتشار الروح الوطنية التى يعمل البريطانيون للقضاء عليها، وإما نجلزة التعليم أى زيادة عدد المعلمين الإنجليز وتخفيض عدد المصرين). وأخذت الكلية بالخيار الثانى فأعيد تنظيم كلية غردون بدمج الأقسام، كما تم تخفيض ميزانية التعليم ، ثم جاء القرار بنفى الإمام إلى مالطا.

وغادر الإمام السودان فى عام 1915 عائدًا إلى مصر قبل أجازته السنوية بشهر، بعد أن ربى رجالاً بالسودان جاهدوا فى الله حق جهاده.

الإمام بالمطاهرة بالمنيا :
لما وصل الإمام إلى الشلال عائدًا من السودان كان ينتظره هناك الآلاف من تلاميذه، ومحبيه ومريديه من خيرة رجالات مصر، وكان فى الباخرة التى أقلته من حلفا إلى الشلال (ونجت) باشا، وقد تقابل مع (ونجت) تلاميذ الإمام من رجالات مصر على رأسهم محمود سليمان باشا، ومحمود الشندويلى باشا، وأحمد باشا الشريعى، وحمد الباسل باشا، وكثيرون من أعلام الطب والمحاماة والعلماء والأعيان. وقد طلب هؤلاء من الحاكم العام أن يكون نفى الإمام إلى بلدة المطاهرة بالمنيا بدلاً من جزيرة مالطا، فاتصل (ونجت) لاسلكيًّا بإنجلترا، وصوَّرَ لحكومته خطورة نفيه إلى مالطا فوافقوا على نفيه إلى المطاهرة .

وبمجرد وصوله إلى المطاهرة وافاه خطاب وكيل حكومة السودان بعدم سفره مرة أخرى إلى السودان ، ومع أن إقامة الإمام كانت محددة فى منزله بالمطاهرة إلا أنه كان يتجول فى القرى والبلاد المجاورة وذلك عن طريق وساطة محبيه، فقد توسط رئيس الوزراء- وكان محبًا وتلميذًا للإمام- فى تيسير انتشار الإمام فى دائرة أوسع ، وقد تحولت بلدة المطاهرة التى أمضى فيها الفترة ما بين عامى 1915-1917م وما حولها إلى مدارس للإمام خرجت أعلام الوطنيين وأئمة المجاهدين .
وهناك قام بإصدار مجلة الفاتح التى استمرت فى الفترة من عام 1915م حتى 1920م ، وقد طلب الأحباب نقل الإمام للإقامة فى القاهرة عاصمة مصر ، وفعلاً تمت الإقامة الجديدة ، وكان منزله بمصر مقصد وفود الأمم الإسلامية من مختلف الأجناس، ومحط أنظار سفراء الممالك الإسلامية وعظماء مصر ، فكان رضوان الله عليه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أيًا كان.
وكان منزله تحت الرقابة الشديدة من قبل الإنجليز ورجال السلطة المصرية ، وكان الإمام إذا عمل احتفالاً دينيًا لمناسبة معينة تتطلب تجمعات بشرية، فقد كانت القوات البريطانية تقوم بالتفتيش المستمر فى هذا اليوم لجميع أنحاء المنزل بحثًا عن وجود أسلحة أو منشورات أو أشخاص مشتبه فيهم أو خلافه.
دوره فى ثورة 1919 :
كان الإمام يلتقى بالمفكرين والأدباء والزعماء السياسيين ومن بينهم سعد زغلول ، وكان الرجال يجتمعون مع الإمام بعيدا عن الأضواء ثم نقلوا اجتماعاتهم فى النادى الذى عُرف فيما بعد باسم ( النادى السعدى )، كان من بينهم محمد محمود باشا، وعبد العزيز باشا فهمى، وإسماعيل باشا صدقى، وعلى باشا ماهر، ومحمود فهمى النقراشى باشا، والغرابلى باشا وغيرهم من رجالات 1919 .

ولما ذهب سعد زغلول وصحبه إلى دار الحماية عقب مؤتمر الصلح فى باريس عام 1918 ليطالبوا بحقوق شعب مصر فى الحرية والاستقلال وطالبهم المندوب السامى بإبراز ما يثبت توكيلهم عن الأمة، عاد على باشا شعراوى وحمد باشا الباسل إلى مصر وطلبوا من الإمام أن يجمع لهم توقيعات أحبابه ومريديه، فاستمهلهم أسبوعًا ليكون عندهم عشرات الألوف من العرائض الموقع عليها من المواطنين بعناوينهم ، وقد برزت مقالاته التى التى نشرت فى جريدة الأخبار ومجلة السعادة الأبدية أنذاك والتى كانت تندد بالإنجليز فى ذلك الوقت لها أعظم الأثر فى بث الروح الوطنية والحث على مواجهة المستعمر ، كما وضع الإمام مطبعته التى كانت تسمى المدينة المنورة تحت تصرف سعد زغلول ورفاقه وتطبع لهم المنشورات السرية وهى ما أسماها الثوار بمطابع “اليد السوداء” التى كان يتعقبها الإنجليز فى كل مكان ، ولما قامت ثورة 1919 م كان الإمام المجدد من أوائل الذين قبضت عليهم السلطات البريطانية وأودع السجن فى محاولة منها لوأد هذه الثورة فى مهدها، وكان معه ولده الأكبر السيد أحمد محمد ماضى أبو العزائم الذى كان ملازمًا لوالده ملازمة كاملة يشاركه نضاله ويشد أزره وينظم له برامج تنقلاته ويرعى شئونه الشخصية وينشر دعوته ويردد عنه أفكاره ومبادئه .

وقد كان الإمام فى السجن كما كان خارجه ، فلم يلبث إلا أن صار مجتمع السجن كله- مساجين وحراسًا وضباطًا- من أتباعه والمتحمسين لدعوته ومبادئه. وانتقلت أنباء النشاط العزمى إلى مسامع طغاة الإحتلال البريطانى، فذهب أحد طواغيتهم ليتحقق من واقع الأمور بنفسه، وكان هذا الطاغوت هو رسل باشا الذى يشغل حكمدار القاهرة ، فرأى أن جميع المسجونين ومعهم جميع جنود الحراسة بالسجن ومن بينهم ضباطهم قد اكتظ بهم الفناء الأكبر للسجن صفوفًا يؤدون الصلاة خلف الإمام المجدد الذى ختم الصلاة وانبرى إلى المأمومين يدعو بأن يخلص الله الوطن من الاستعمار اللعين وأعوانه، والمصلون من خلفه يُؤَمِّنون ، مما جعل رسل باشا يرتعب مما أدى به أن يكتشف أن هذا الإمام فى سجنه يشكل خطورة أكبر من خطورته خارجه، فأمر بالإفراج عنه مع ابنه فورًا.
فخرج يستأنف سعيه ونشاطه حتى انتهت ثورة 1919، ثم اتسع أمامه مجال الدعوة إلى الله تعالى فأسس مجلة ( المدينة المنورة) – التى بدأ صدورها عام 1920م واستمرت لسنوات طوال بعد انتقاله إلى جوار ربه- حاملة لواء العلم الصحيح، ينشر بها الدين وتعاليمه وأخبار الصحابة فى هذا العصر المظلم .
موقف الإمام من إلغاء الخلافة الإسلامية :
بعد أن قررت الجمعية الوطنية بأنقرة فى يوم الأحد 26 رجب 1342هـ الموافق 2/3/1924م إلغاء الخلافة الإسلامية كان رد الفعل سريعًا جدًّا على الإمام .. بل وفوريًّا . وقد شهدت الساعات الأولى إنجازين على درجة كبيرة من الأهمية :
(1)تكوين جمعية ( إحياء الأخلاق المحمدية ) ومقرها المركز الرئيسى قصر الحنفى ( سكن الإمام ) وفروعها فى بلاد مصر، وإعلام الجميع عن استنكارها لقرار الإلغاء على المستوى الشعبى . وقد تم أول اجتماع لجمعية ( إحياء الأخلاق المحمدية ) بمنزله u فى 23 مارس 1924 م، وكان قد دعا رجال الصحف ووكالات الأنباء العالمية والمحلية لحضور هذا الاجتماع، وتم فيه جمع الأمة المصرية فى صعيد واحد ، وخرج من هذا الاجتماع بفائدة هى تكوين قيادة لهذه الهيئة أسماها ( اللجنة التنفيذية لجماعة الخلافة الإسلامية بوادى النيل ) ، وكان أحد أقطابها المرحوم على بك فهمى كامل شقيق فقيد مصر العظيم وزعيمها الفتى الكريم المرحوم مصطفى باشا كامل، فأصدرت فى ذلك عدة قرارات حكيمة كان أكثرها من أفكار الإمام النيرة السليمة، وفيه قرر الأعضاء العمل على الدعوة لإقامة مؤتمر إسلامى عالمى يشارك فيه جميع زعماء وملوك الهيئات والدول الإسلامية ، وانتخب رئيسا لجمعية الخلافة الإسلامية بمصر فى يوم الخميس 13 شعبان 1342هـ الموافق 20/3/1924م
(2) القيام باتصالات هاتفية وكتابة خطابات شخصية وإرسال برقيات لجميع رؤساء بلدان العالم الإسلامى لتكوين جماعات عمل لمؤتمر الخلافة الإسلامى وإخطار المقر الرئيسى بالقاهرة بذلك، وكان أول المستجيبين فى ذلك إخوة الهند وعلى رأسهم الأميران شوكت على ومحمد على، والدكتور أجمل خان والدكتور محمد إقبال والشيخ كفاية الله وغيرهم وإعلانهم الفورى عن تأسيس جماعة ( الخلافة الإسلامية ) بالهند مع إعلان اتحادها قلبًا وقالبًا مع الإمام، وكذلك بعض الزعماء الإسلاميين الآخرين .

فى الوقت الذى كان الملك فؤاد يطمع أن يكون هو الخليفة ولكن حال الإمام بينه وبين ذلك وعندئذ بدأت الحكومة والسراى فى محاربة الإمام بشتى الطرق العلنية والسرية، فقبض على أعضاء اللجان الفرعية فى الأقاليم، وصودرت محاضر الجلسات، وأعدمت أعداد من مجلة ( المدينة المنورة ) وفتشت سراى آل الغزائم مرارًا وتكرارًا، واتخذت العداوة بين الملك والإمام مظهرا علنيا، ومنع الإمام من السفر لتأدية الحج فى ذات العام، وقدمه لمحكمة الجنايات بسبب كتاب للإمام بتهمة سب الذات الملكية ولكن برأته المحكمة، وقدمه للمحاكمة متهما إياه بالكفر زورا وافتراء وبرأته المحكمة أيضا .

(3) كما دعا إلى عقد المؤتمر الإسلامى العالمى لمناقشة هذا الغرض، وظل التجهيز لانعقاده حتى تم ذلك فى مكة المكرمة بتاريخ 9 يونيو 1926 م فى أشهر الحج برئاسة عبد العزيز آل سعود عاهل الحجاز ، وناب عن شعب مصر فى حضور هذا المؤتمر ، وقد قدم الإمام للمؤتمر أربعة عشر اقتراحًا ([1]) لصالح الإسلام والمسلمين، وانتهت جلسات المؤتمر بالفشل رغم الجهود التى بذلها الإمام لإحياء الخلافة وإعادة منصبها، لأن السياسة الاستعمارية كانت من وراء القصد.

وجاء يوم عرفة واجتمعت الوفود فى مسجد نمرة واتفقوا على أن يلقى خطبة الجمعة الإمام أبو العزائم ، والتمسوا ذلك من الملك عبد العزيز فأجاب ملتمسهم، فقال لهم الإمام : (( هذا مقام لا ينبغى إلا لرسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أو لخليفته )) فارتفعت أصواتهم جميعًا بقولهم : (( قد أقمناك ورضيناك خليفة عن رسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم ﴾ )) فخطب الإمام خطبة تفوق وصف الواصف، وصلوا خلفه الظهر والعصر جمع تقديم كما هى السنة ([2]) .

وبعد عودة الإمام من المؤتمر إلى مصر جدد الاتصال بزعماء وملوك البلاد الإسلامية وخصوصًا رجال الهند، كما جدد الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامى آخر بمدينة القدس وحددوا لذلك يوم 31 ديسمبر 1931 م، وحاولت السلطات البريطانية إفساد هذا المؤتمر ومنعت الحكومة المصرية إعطاء تأشيرة خروج للإمام، كما رفضت سلطات الانتداب فى فلسطين السماح له بالدخول، وأراد أن يحصل على ترخيص بمقابلة زعماء الهند فى ميناء السويس بسبب وجودهم على الباخرة المتجهة إلى لندن لحضورهم مؤتمرًا مع الحكومة البريطانية ثم توجههم بعد ذلك إلى حيفا، فمنعت الحكومة الباخرة من الوقوف فى ميناء بور توفيق ، وإزاء ذلك لجأ إلى حيلة نجح من خلالها فى مقابلة الوفود المشاركة وكان على رأسها أمين الحسينى مفتى فلسطين والأمير شوكت على، والأمير محمد على، والدكتور محمد إقبال، وتشاور معهم فى شئون المسلمين وعقد مؤتمر القدس، ولم تعرف السلطات ذلك إلا بعد رجوع الإمام للقاهرة .

وانعقد المؤتمر الإسلامى بالقدس، ولم تمثل فيه كل الوفود التى سبق أن مثلت فى مؤتمر يونيو 1926 م، فكان على رأسه الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين والأميران شوكت على ومحمد على والدكتور محمد إقبال .
ولم يكن نصيب مؤتمر القدس فى ديسمبر 1931 م من النجاح أو الفشل بأقل من نصيب المؤتمر الإسلامى الأول بمكة المكرمة فى يونيو 1926 م، فكلا المؤتمرين أثرت فيه عوامل ذاتية نابعة من واقع العالم الإسلامى وحاضره من جهة، ومن ألاعيب وكيد الاستعمار والصهيونية العالمية من جهة أخرى، فأصبحا بذلك حدثين تاريخيين من حيث أنهما أول المؤتمرات الإسلامية فى العصر الحديث .

تأسيس الطريقة العزمية 1933 – 1351 ه

بعد فترة حفلت فيها حياة الإمام أبو العزائم من جهاد بالمال والقال والحال تحولت حلقات العلم وندوات الثقافة والفكر التى تأسست على نشاطه إلى مجامع تسودها التقوى والتقرب إلى الله بدوام ذكره والإمعان فى طاعته . وتحولت جماعة آل العزائم التى أسسها الإمام عام 1311 – 1893م إلى الطريقة العزمية ، فعندما وجد الإمام أن الوقت قد حان لإعلان طريقته العزمية وكان ذلك عام 1933 – 1351 ه أرسل إلى السيد عبد الحميد البكرى شيخ مشايخ الطرق الصوفية فى ذلك الوقت خطابًا يطلعه فيه على استكماله لشروط شيخ الطريقة واستكمال الشروط الأخرى التى تتيح له إنشاء طريقة صوفية جديدة .
ومن حينها بدأت الطريقة العزمية نشاطها وما زالت حتى اليوم تغذى العقل بعلوم الشريعة الحقة ، وتزكى النفس بإيصالها- بطريق مأمون- إلى تذوق الحقيقة التى يهبها الله لمن يقمعون الغرائز ويزهدون فى بهرج الحياة ويجتهدون فى طاعته وتقواه. وبذلك كانت الطريقة العزمية النموذج الأمثل للتصوف الطاهر الزاهد الواعى الخالى من كل شوائب الرياء والارتزاق والبدع وابتزاز المريدين والأتباع. فهى طريق إلى الله ليس لها من هدف سوى الاستغراق فى مرضاة الله وطاعته وتقواه ([3]) .

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *