“دور الصوفية في المجتمع”…السودان نموذجاً

صوفية السودان

قال الدكتور أبوعاقلة الترابى القيادى الصوفى السودانى، إنه لاشك أن مرحلة تأصيل قيم الإسلام في نفس الإنسان يحتاج إلى قدر من فقه الدعوة لايتوفر لدى الكثيرين ، غير أن صوفية أهل السودان لهم في ذلك فقه ومنهج فاعل ومتميز ويمكننا أن نطلق عليه منهج استصحاب المسيء حتى يحسن اسلامه ، ويقوم هذا المنهج على عدم التنفير بالوعيد ، وعدم العنف مع المسيء واستدراج المسلم حتى يستكمل إسلامه ، وللتجسيد الفعلي لهذا المنهج وهو نهج عام عند الصوفية فما لاموا أحدا يوماً على تقصير إن هو إلا دعاء بالهداية، ولم يصنفوا أحدا على أنه من غير أهل الثقة إنما هم معينون لإخوانهم على الخير لا يعينون عليهم الشيطان ، وهذا النهج مستمد من النهج النبوي الشريف ، فكم مرة بال أجلاف الأعراب بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه بأن ينضحوا الماء على بوله ، وكم مرة طلبت مجموعة من الأعراب السماح لهم بما لايسمح للمسلمين به فأخذهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحسنى.

 

جوانب الرعاية الصحية:

تعلم الصوفية جوانب الرعاية الصحية الأولية من الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي تمثلت في الجوع وهو الإقلال من الطعام بكثرة الصيام وعدم إدخال الطعام على الطعام ( وما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه ) بل ذهب شيوخ الطرق الصوفية إلي أبعد من ذاك فقد بنى بعضهم المشافي الحديثة ، وجاء بعضهم بالأطباء المدنيين إلى ساحات مسايدهم وأنشأوا دوراً لإقامة المرضى ودورا لشراء الدواء.

 

الدور الاجتماعي للطرق الصوفية :

لقد لعبت الطرق الصوفية دوراً رائداً في تدامج المجتمعات السودانية منذ القرن السادس عشر، وقد اخترقت الحركة الصوفية الحواجز القبلية والإقليمية وتجاوزت بمسلكيتها الأخلاقية أطر التعصب ، ساعية بكل قوتها – وعلى نحو عفوي – لإيجاد تدامج وطني عام يشمل كل الكيانات ، وكان للحركات الصوفية دور لايستهان به في تدامج مجتمع الجزيرة حتى أصبح انتماؤهم إلى منطقة الجزيرة وليس إلى قبائلهم ، ولعل أسطع مثال على ذلك هو أن تجمع الناس حول مقامات الأولياء وتداخلهم جميعها جعلهم يتجاوزون العصبية القبلية فتحولت الوحدة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد هي القرية فما من قرية من قري الجزيرة تقطنها قبيلة خالصة .. بل عدة قبائل متداخلة فاصبح الفرد يعرف بقريته أو طريقته وليس بالقبيلة .ولأن معيار الطريقة هو التقوى أصبح السلم الاجتماعي مبنياً على التقوى فلا فضل لعربي على عجمي إلإ بالتقوى.

ائتلاف المجتمعات:

إن للصوفية دوراً عبر الزمان بالسودان في تقارب المجتمعات وائتلافها، فمثلما قاربت في الماضي بين القبائل ودمجتها في بعضها فإنها تقارب اليوم بين القرى والمناطق المختلفة وهذا على المستوى الأفقي، أما رأسياً فإنها تقارب بين مختلف طبقات المجتمع فنجد أن الغني والفقير والمتعلم وغير المتعلم المزارع والتاجر كلهم إخوان طريقة واحدة وسالكين على يد شيخ واحد.

لقد اخترقت الطرق الصوفية الحواجز القبلية والإقليمية وتجاوزت بمسلكيتها الأخلاقية أطر التعصب، ساعية بكل قوتها وعلي نحو عفوي لإيجاد تدامج وطني عام يشمل كل هذه الكيانات وكانت الحركات الصوفية العابرة للأقاليم هي الرد الوحيد على أشكال التجزئية ولكنها أقل خطورة من التجزئة رغم أنها تجزئة في حد ذاتها التي حاربتها، وقد ساهمت الخلاوي بقسط كبير في نشأة المدن وازدهارها وصارت تعج بالحركة التجارية بالبيع والشراء وتجمعت حولها المساكن، وعندما يشتهر عالم أو شيخ فهذا يعني نشأة قرية أو مدينة يشد الناس إليها الرحال طلباً للعلم والتماساً للبركة أو وتقام بها الأسواق والموالد والأعياد. وتفيض الروايات الشفهية بنشأة مدن حول خلاوي القرآن الكريم ، فالدامر قيل إن تاريخها الأول يرجع إلى وجود عبدالله راجل دور الذي كان زاهداً يتعبد في غار فتمر عليه جماعات من الدناقلة والشايقية فسكنوا حول غاره الذي صار بعد ذلك مورداً لبعض العربان وماشيتهم، والشيخ أرباب العقائد خرج من جزيرة توتي واستقر المقام به في الخرطوم وتكاثر الناس حوله وكان هذا بداية لعمارتها حتى سميت بخرطوم توتي، كما أن شهرة كترانج ترجع للشيخ عيسى بن بشارة الأنصاري وأولاده وحفدته ، وهذه هي مدينة ودمدني قامت علي جهود الشيخ مدني السني.

لقد تركت الخلاوي بالقرى آثاراً اجتماعية طيبة وكان للشيوخ ومعلمي الخلاوي دور كبير في نشأة المدن وتدامج الساكنين، فهؤلاء بسلوكهم القويم وبتقواهم اكتسبوا محبة الناس وتقديرهم وتفيض طبقات ود ضيف الله بأمثلة كثيرة عن سلوك هؤلاء. وبهذه الصفات وغيرها ارتفعت مكانتهم عند العامة والخاصة ومن ثم تسنى لهم أن يتركوا آثار اجتماعية واضحة خاصة بالجزيرة، وترجع بعض الدراسات كل التدامج الحادث في منطقة الجزيرة إلى جهود الطرق الصوفية، ولاشك أن هناك عوامل كثيرة متداخلة منها ماهو اقتصادي وماهو سياسي وماهو اجتماعي وقد أسهمت الطرق الصوفية إسهاماً كبيراً في التدامج المجتمعي في الجزيرة ولكن يبقي للصوفية فضل الريادة في هذا الأمر.

دور الصوفية في إصلاح ذات البين :

والصوفية قوم اختصهم الله بالقبول والمحبة من الناس مما يسر لهم أن يلعبوا دوراً بارزاً في فض النزاعات بين الأفراد والجماعات بالمجتمع السوداني، والدور الوقائي من الأدوار الرئيسية التي تقوم بها الطرق الصوفية بملء فراغ الشباب وإشغالهم بأفعال الخير وكذا الأجاويد وحل النزاعات ، وهي من الأدوار المشتركة بين منظمات العمل التطوعي والطرق الصوفية ، كما أنهم يقومون بدور النصح للحكام ولايتخلفون عن ذلك ولا يرهبون وكان لهم دور بارز كأجاويد خير في فض النزاعات الدموية والخلافات بين الحكام والأسر الحاكمة فيما بينها ، وكانت وساطتهم تجد القبول والاستحسان ، وعلي الرغم من ذلك فإنهم كانوا يتجنبون الوقوف بأبواب السلاطين طلباً لأمر شخصي.

لقد كان للصوفية دور كبير في الدبلوماسية الشعبية على الصعيدين المحلي والدولي وكانوا يقومون بما يقوم به السفراء. ولا زال السادة الصوفية هذا دأبهم إلى يومنا هذا يجتهدون في الاطلاع بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفض المنازعات والشفاعة والجودية والتوسط وإصلاح ذات البين، وللتحكيم والصلح جذور ضاربة في الإرث الصوفي في إفريقيا والدول العربية والبلاد الإسلامية على امتداد البسيطة غير أنه متاصل لدى أهل السودان ، وهو نظام غير مكلف وسريع وله آثار قوية وترتاح إليه النفوس لبساطته وسهولته ووجود سند له في القرآن الكريم ولما فيه من عبقرية وحنكة ودراية لدي المحكمين والمصلحين من الشيوخ والشخصيات الاجتماعية البارزة في تفهم لنفسيات ومطالب الشاكين ، وكذلك لمقدرتهم على امتصاص الآثار السلبية للمنازعات بما يضمن دوام الاستقرار والأمان للمواطنين . ولعل المقارنة بين منظمات العمل التطوعي والطرق الصوفية في أنشطة فض النزاعات توضح رجحان كفة شيوخ الطرق الصوفية في هذا النشاط ، فالطرق الصوفية تتسم بالتغلغل في جذور المجتمع السوداني وتنتشر على اتساع الريف السوداني حيث تقع أكثر النزاعات حول ملكية الأرض والمرعى فيحتكم المتخاصمون إلى مشايخ التصوف ويرضون بما يحكمون وتطيب به نفوسهم . ومن أكثر النزاعات التي يتدخل فيها شيوخ الطرق الصوفية هي قضايا المواريث والأحوال الشخصية ، حيث يحلون النزاعات التي تقع بين الأقارب والأزواج ، ولعل شعور الناس بأن شيوخ الطرق الصوفية هم حماة العقيدة والعرف ولهم تمكن في ثقافة المجتمع ودراية بالحلال والحرام وبالخطأ والصواب والشرف والعيب يعين ذلك كثيراً في الرضا والقناعة.

الصوفية والدبلوماسية الشعبية:

لم يقتصر دور الصوفية في الدبلوماسية الشعبية على الإطار المحلي بل تعداها إلى الإطار الدولي فقد كان الصوفية يقومون بما يقوم به السفراء حالياً ، فالصوفية يتزاورون ويشدون الرحال إلى بعضهم البعض بين البلاد ويتحسسون مشاكل البلاد والعباد ويشفعون لدى الحاكم في رعايا لهم في بلد آخر , فهم دبلوماسية شعبية راقية وهم قنصليات إسلامية لدى جميع الشعوب وهم ملاذ للمهاجرين طلاب الرزق والأمن والشفاء.. قال صلى الله عليه وسلم (من بات آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، فقد سيقت له الدنيا )، فلا هم لهم في سلطة أو سلطان ، بل كل همهم في إصلاح ذات البين وعتق الرقاب وإبعاد العباد عن سفك الدماء وهذا الدور مثمر وكبير إذ نهضوا به واستثمره أهل القبلة في حل نزاعاتهم دون اللجوء إلى التدويل .

دور الصوفية في الحوار والتعايش السلمي بين الأديان :

يتسم الصوفية بمرونة عالية وتسامح ومقدرة على الحوار بديعة ولهم فيه اسهامات رائعة ودقيقة، ويجنح صوفية أهل السودان للتعايش السلمي مع الآخرين والدعوة بالتي هي أحسن للملة المحمدية .إن الصوفية الحقيقيين يفتحون أنفسهم للموجة التي تجتاجهم وهم لثقتهم بأنفسهم ولكونهم يتحسسون في باطنهم شيئاً ماخيراً منهم رجال أعمال عظام ، على رغم مايتراءى للبعض من أن التصوف رؤية ونشوة ووجد وهذا الشيء الذي انساب في داخلهم تيار هابط يريد أن يعبر فيهم ليكتسح الآخرين ، فحاجتهم إلى أن ينشروا حولهم ماقد هبط إليهم هذه الحاجة يحسونها وثبة حب.

الدور الإصلاحي:

إن المجتمعات بصورة عامة لاتخلو من وجود فئات المنحرفين وأهل الجنح وتكون هذه الفئات في الغالب الأعم مصدر اضطراب أمني وخلل اجتماعي إذا أهمل أمرها ، وتحتاج هذه الفئات إلى العلاج والرعاية والمواساة ، ومهما بلغت كفاءة الأجهزة الرسمية فإنها بحاجة للمساعدة الشعبية للحصول على العلاج الناجع . إن الدور الإصلاحي للشيوخ يهتم بمعاونة ذوي الاضطرابات العقلية والنفسية ورعاية الأحداث ومكافحة المخدرات والبغاء والخمور ، ونحاول فيما يلي أن نتطرق لدور المسيد في حل بعض هذا المشاكل.

مكافحة المخدرات والخمور: لقد ثبت بما لايدع مجالاً للشك فشل القوانين الوضعية والأجهزة الرسمية في مكافحة الخمور أو التقليل من استخدامها، وذلك بالرغم من أن الخسارة الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج عن تعاطي الخمور تظل في ازدياد دائم ونمو، وبما أن القوانين والأجهزة الرسمية في الغرب والعالم الإسلامي قد فشلت في مكافحة شرب الخمر فهي أشد عجزاً في مكافحة المخدرات . لقد حاربت الطرق الصوفية شرب الخمر وتعاطي المخدرات بتبنيها لهذه المشكلة وذلك بالنصح والإرشاد ودعوة المدمنين للانتماء للمسيد ولقد استفاد عدد كثير من شاربي الخمر ومتعاطي المخدرات من الجوانب الروحية والتربوية في المسيد، ولقد حارب كثير من الشيوخ صناعة الخمر في مناطقهم وذلك بمعاونة السكان والأجهزة الرسمية، ولقد جمع الشيخ عبدالرحيم البرعي على سبيل المثال في منطقة أهله الزريبة ومريديه وتحدث إليهم عن أضرار تعاطي الخمر والآثار الضارة التي تترتب على تعاطيها وعقوبة شاربها وأبرم معهم ميثاقاً وعهداً على تركها وجند لذلك أشخاصاً يشرفون على وضع ذلك العهد موضع التنفيذ الصارم بمتابعة المنحرفين والناكثين للعهد موضع الإبرام ، وبالفعل لقد تركها كثير من الذين كانوا يقطعون الأميال للبحث عنها والحصول عليها وتعاطيها في سرية بعيداً عن أعين الناس . ورويداً رويداً تناسى الناس أمر الخمر وأصبحت القاعدة الثابتة عدم تعاطيها والشاذ من الناس من يتعاطاها الآن .

الزواج الجماعي: إن ارتفاع تكاليف الزواج أدى إلى عزوف كثير من الشباب ، كما أدى إلى ظاهرة الزواج العرفي وزيادة ممارسة البغاء في بعض الأوساط ، ولقد اهتمت الدولة عندنا في السودان بأمر الزواج الجماعي منعاً لحدوث أي ممارسات خاطئة وحفاظاً على عفة الشباب من الجنسين وأقامت الكثير من مهرجانات الزواج الجماعي وذلك بدعمها للمتزوجين. كما اهتم بعض الشيوخ بأمر الزواج الجماعي وذلك في إطار مساندتهم وأقام الشيخ عبد الرحيم البرعي عشرات المهرجانات التي تم فيها تزويج الآلاف كما أنه حارب ظاهرة غلاء المهور وبذل جهداً كبيراً لم ينقطع منذ أمد بعيد وحتى الآن وجعل ينبه الناس في أسفاره وفي المناسبات العامة والخطب والمحاضرات التي يلقيها لضرورة الانتباه إلى هذه الظاهرة، ثم فكر الشيخ عبدالرحيم البرعي في خلق آلية جديدة تساعد على حل هذه المشكلة فدعا أهل الخير من رجال الأعمال والمقتدرين إلى تمويل تكاليف الزواج الجماعي على نفقتهم ودعا الشباب إلى تسجيل أسمائهم والانضمام إلى المشروع بحيث يتمكن الشباب من إكمال نصف دينه دون أن يكلف بشيء مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها بعض الشباب، وبالفعل فقد تم جمع المال اللازم لتمويل المشروع وقد شكلت لجنة عليا لتنفيذه وتجهيز المسلتزمات التي يتطلبها المشروع وقامت اللجنة باستيراد الملبوسات من الخارج كما قامت بتجهيز السراير والمراتب بورشة خاصة بالمشروع . وقد تحدث الشيخ البرعي بأنه يعلم عن هذا الأمر مالا يعمله الكثيرون وذلك لأن النساء عموماً قد تحدثن إليه بصفة خاصة عما يعانينه من هذه المشكلة ، ولكن ليس كل مايعلم يقال فالأمر أكبر مما يتصوره الناس وليس مثل هذه الأنشطة وقفاً على شيخ دون شيخ فالمعلوم أن جميع شيوخ الطرق الصوفية ينشطون في هذه الأعمال الخيرة إلا أن الحل الأمثل في رأينا إنشاء وقف كبير يستضيف أزواج المدينة في بداية حياتهم لأن السكن في المدينة وخاصة الخرطوم هو المشكلة .

الرعاية الاجتماعية ورعاية الأحداث: والمقصود بالرعاية الاجتماعية رعاية اللقطاء والأرامل واليتامى وهو من الأهمية بمكان ، ومن المهم عدم عزل هذه الشرائح من المجتمع وفي كثير من المسائد يوجد اهتمام بهذه الفئات ، فيقوم المسيد بتدريس وإطعام الأيتام وتبني اللقطاء وإعطائهم اسم الشيخ كما يتناول المتسولون وجباتهم وضعفاء العقول بدون أي اعتراض من المسؤولين بالمسيد، ويوجد الآن إجماع بين معظم علماء النفس والعقوبات الجنائية بان أفشل وسيلة لإصلاح الأحداث هي حبسهم في السجون أو عزلهم في الإصلاحيات بعيداً عن المجتمع، لذلك يوفر المسيد لهذه الفئات مبدأ الدمج في الحياة الاجتماعية السامية فكانت المسايد والخلاوي في بلادنا مأوى للقادمين وعوناً للمظلومين وساعد في ذلك اعتقاد الناس في المشايخ وكراماتهم وصلاحهم وبركتهم وبالتالي قبول السلاطين والأمراء لشفاعتهم، وهنالك أمثلة كثيرة علي ذلك في طبقات ود ضيف الله، وكانت الخلاوي ملاذاً للفارين من سطوة بعض الحكام ومن عقوبات القتل وهؤلاء كانوا يحتمون بها لاعتقادهم أنهم يكونون في مأمن من القصاص، كذلك الخلاوي كانت محلاً لحل النزاعات بين الجماعات ويذكر نعوم شقير أن الجعليين كانوا في عهد الفونج إذا وقع قتل احتمى المذنب منهم بمشايخهم وفقهائهم ثم ينظر في أسباب القتل ويحكمون على القاتل بالفعو أو القصاص، وكان توسطهم في مثل هذه المواقف سبباً في إخماد نار فتن واستئصال جذور عداوات لو أطلق لها العنان لأحدثت تصدعاً في بنيات مجتمع ذلك العهد. وكانت المسايد أيضاً ملاذاً للفارين خلال سنوات المجاعة وكان الناس يجدون العون من الشيوخ الذين كانوا يقدمون لهم مايأتي به الناس من الأكل والطيبات، ويروي في ذلك عن الشيخ إدريس ود الأرباب أنه كان يقسم الأموال والهدايا التي ترد إليه على الناس فلا يبقي منها شيئاً. ومن دلائل تشبع الشيوخ بروح الإنفاق ما يروى أن فقيهاً بعينه كان يذبح لكل خلوة من خلاويه الإحدى عشرة شاتين كل يوم، وآخر نزل من حصانه وباعه ليقسم ثمن حصانه على المساكين في شهر رمضان، وهم بذلك أول من ابتدع الإفطار الجماعي في رمضان .ولوحظ أن حالات الانحراف التي وقعت لأحداث بالأحياء بإغراء من قرناء السوء تم علاجها بالمسيد، وتقوم الآن كثير من الأسر بتسليم أبنائها الأحداث إلى معلمي الخلاوي وشيوخ المسايد مما يؤدي لتقويمهم وتهذيبهم تأثرا بزملائهم. ومبدأ العقوبة مأخوذ به في الخلاوي وللمربين المسلمين آراء فيه ولكن مع الرفق واللين وحمل الطفل على الصفات الحميدة والبدء بالنصح والإرشاد ثم اللوم والتقريع وبعضهم يشترط إذن الوالدين في بعض حالات العقوبة .

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *