“الدور الاجتماعي لرجال التصوف في المغرب “

البودشيشية

دراسة عامة د. طارق العلمي

تفاعل صوفية المغرب مع قضايا المجتمع في مجالات عدة، من ضمنها ما كان متعلقا بالجانب الاجتماعي، الذي قدّمت فيه الزوايا أدوارا تضامنية على حسب الظروف التي مر بها المجتمع المغربي، وذلك بغية ملامسة الواقع في أشد أزماته، وأكثرها بلاء.

إن ذاك برزت الزاوية كأحد المؤسسات الفاعلة في المجال الاجتماعي، والتي تشكّلت عبر المسار التاريخي بما تقتضيه ظروف المجتمع، هنا يظهر مدلول القولة الصوفية التي ترددت بين ألسنة الصالحين، بأن الصوفي ابن وقته، فرغم ما يمكن أن تحمله من دلالات أخرى تربوية، إلا أن هذا المعنى الاجتماعي يبقى واردا عندهم، وهنا يقول أحد الباحثين: “إن التصوف السني تحوّل عبر تاريخ المغرب إلى مؤسسة ذات “سلطة رمزية” بفعل تفاعل الصلحاء والأولياء مع المجتمع، مما جعل الربط والزوايا من الثوابت الحضارية بالمغرب، ومن المفاتيح التي لا بد من مراعاتها في قراءة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي المغربي، وامتداداته العربية الإسلامية والإفريقية والأوروبية المُتجذِّرة”.

بل نجد أحد صوفية مراكش، وهو أبو العباس السبتي، الذي بنى منهجه التربوي على مفهوم الصدقة، فكان يعمل على تزكية نفوس أصحابه من خلال نزع مواطن الشح والبخل التي قد تعتري المريد في سيره، وتحليتها بأخلاق العطاء والجود والكرم، حيث يصف أحد الدارسين هذا التوجه بقوله: “فهناك مذهب صوفي مغربي بحت، يرجع الفضل في وضع أسسه ونشر دعوته لرجل من أهل القرن السادس، هو أبو العباس السبتي الذي كان يرى أن لُباب القوانين الشرعية هو الصدقة، فكان يجلس في الأسواق والطرق ليحض الناس على البذل والجود مرددا كلماته الخالدة: (أصل الخير الإحسان وأصل الشر البخل). وقد اشتهر مذهبه أيما اشتهار حتى نعته معاصره الحاتمي في فتوحاته المكية بصاحب الصدقة في مراكش”.

وفتحت هذه الدعوة حركية وتنافسا داخل المجتمع، كان من مظاهرها تأسيس زوايا ورباطات، عملها إيواء العجزة والمستضعفين والفقراء والمحتاجين، ويضيف صاحب معلمة التصوف الإسلامي قائلا: “وقد كان لهذه الدعوة أثرها، فأسست الرباطات والزوايا والملاجئ في مختلف أنحاء المغرب، حيث كان يأوي العجزة والفقراء والطلبة فيجدون الطعام السائغ والفراش الوديع، وقد تنافس الصوفية في هذه المظاهر الإحسانية فاضطر الملوك إلى المساهمة، فأسسوا الزوايا في الفلوات لإيواء عابري السبيل، وأوقفوا لها الأوقاف الوفيرة”.

والحاصل أن هذا العمل التعاوني، هو عنوان انفتاح المؤسسة الصوفية على الواقع، واهتمامها بالشأن المعيش للأفراد، باعتبار أن ذلك لا ينفك عن العمل التربوي، فالعمل الاجتماعي بالنسبة للصوفي هو وسيلة للرقي في مدارج المقامات، وسبب لتصفية الباطن من قيود المادة، كما أن العمل التربوي قد يتجلى عن طريق العمل الاجتماعي، قصد تربية السالكين على النفع والعطاء تجاه المسلمين.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *