الإلتزام بكلمة طيبة (لا اله الا الله محمد رسول الله ) هي المفتاح السري لفتح عين القلب… بقلم الشيخ عبد الرؤوف اليماني مرشد صوفية الصين

عبدالرؤوف اليمانى... شيخ الصوفية الصين وحوله مريدوه

 

أشد ما يصيب الإنسان عند مجيئه لهذا العالم الدنيوي هو نسيانه لكل ما يتعلق بعالم الروح، فيعيش متذكرا لتفاصيل الحياة الدنيا، غافلا عن الله ورحماته ونعمه العظيمة. لذا قد وجب بعد ترك رحم الأم، تعلم كل شيء من جديد، سواء فيما يخصّ المعرفة الدينية أو الدنيوية.

ومؤكد أن حالة انغماس الناس في مادية هذا العالم لا تتأتى إلا نتيجة جهل، جهل بالله عز وجل، قال الله تعالى: “إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ”(فاطر، الآية 10).

تتضمن الشهادة كلّا من النفي والإثبات. يُعتبر النفي قفلا للقلب، فقلب المؤمن رحب مثل السماء، أما المنكِر لوجود الله فقلبه مُقفل، وباب السماء في وجهه مُوصد، وإسمه بين العُصاة مكتوب.
قال الله تعالى: “وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ” (الانفطار، الآية 14).

من داوم على الشهادة، والتزم بأوامر الله واجتنب نواهيه، وآمن بجميع رسله، واتبع وأحبّ نبيه محمد ﷺ، فُتحت له أبواب الجنة، وفُكّ قفل قلبه أيضا.

 

والمؤمن من يكرّس وقته في عمل الخيرات، يقول سبحانه وتعالى: “إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ” (الانفطار، الآية 13).
قلب المؤمن مجزأ إلى سبع طبقات مطابقَةً لطبقات السماء السبع، فحين تصبح الشهادة وذكر الله مقترنين بمجرى أنفاسه، يُفتح قفل قلبه والباب الذي من خلاله سيُيسَّر له مشاهدة الغيب.

لا تملّ من ترديد الشهادة ما حييت ليحوز قلبك شعلته النيّرة، فتشرق بالنور الحقيقي أركانُه، وعميقا في تربته الخصبة تمدّ شجرة الإيمان الحقّ جذورَها، وتنمو حتى تشمخ في أعالي السماء فروعُها.
قال الله تعالى: “ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء” (إبراهيم، الآية 24).

يُطهَّر القلب ويُزكّى بالمداومة على الشهادة، فيعود بمقدوره استقبال المعاني والحقائق عن الله تعالى. هذه التزكية هي أولى خطوات استثمار الدنيا في زرع ما يُنتفع به في الآخرة.
ويمثِّل القلب أيضا نقطة انبثاق فيض لا محدود من الأسرار والحكم. كما أن كل ما يُحصَّل في الدار الآخرة مع تباين نِتاجه، خيرا كان أم شرّا، ينشأ بذره على مستوى القلب.
لذا، فمن الضروري جدا أن تداوم على نطق الشهادة باستمرار، وأن تنشغل في الوقت ذاته بزرع حقول قلبك، وأن تحرص على العيش بأفكار جيدة ونوايا حسنة، وأن لا تتوانى في فعل الخير إلى أن ترتقي روحك إلى خالقها.

قلب المؤمن كالجنّة. فإن واظب المؤمن على الشهادة أصبح ملء قلبه سكينة وسلام. وإن ترك ما يُثقل كاهله من أحزان في يد الحنّان سبحانه، تذوَّق طمأنينة أهل الجنّة وهو لا يزال في الدنيا. إنما قلب المؤمن كعرش الرحمـٰن (سقف السماء الذي منه تتنزّل الرحمات).

قال الله تعالى: “ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن” (حديث قدسي).
قلب المؤمن هو الموضع الذي يستقبل عن الله، وهو المرآة التي عليها تنعكس الحياة الدنيا والآخرة. عندما تنظر إلى شخص ما، قم بتوجيه بصيرتك إلى قلبه. ومن ناحيتك، حاول تقويم قلبك وتزكيته، وذلك بالإكثار من نطق الشهادة، لتعكس مرآة قلبك وجود الله على الدوام.

والذِّكر بالنسبة لعباد الله المقرّبين هو ذِكر لا ينقطع، مستمر ومُطَّرد مع كل نفَس يُنفِقونه. أما بالنسبة للتهاون والنسيان اللذين من شأنهما أن يقطعا دوام الذكر واستمراريته فيعتبرونهما من الأخطاء التي لا يجوز اقترافها في رحلة السير إلى الله.
عندما يتوافق مراد قلبك مع مراد الله تعالى، تُحصِّل بين يديك مفتاح الجنّة وتتحرّر من تأثير قوانين الطبيعة عليك.
قال رسول الله ﷺ في حديث شريف ما مفاده:
“ومن العباد شُعث الشعر، رِثاث الثياب، يسألونكم الطعام والماء، وهم على الحقيقة أولياء الله، لو سألوا الله أن يجعل عالي الأرض سافلها لاستجاب لهم”. ثم قال ﷺ: “مفتاح الجنّة شهادة أن لا إله إلا الله”.

وللعصاة من أمّته يقول رسول الله ﷺ بما مفاده: “لله في كل رمضان عتقاء من النار، الذين يداومون على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله”.
لله عباد قد آمنوا بقلوبهم، وفهموا المعنى الحقيقي للشهادة، وأدركوا بحواسّهم حقيقتها فقويَ وترسّخ إيمانهم، يحافظون دوما على سكينتهم وهدوئهم، ويُبقون ألسنتهم رطبة بذكر ‘لا إله إلا الله محمد رسول الله’، يواظبون على عمل الخيرات ويأمرون بالمعروف ويكونون أهلا له كذلك، أولئك من تمّت لهم الولادة من جديد، لأنهم تجاوزوا الفهم السطحي للشهادة إلى الفهم الأعمق لجوهرها، وهو فهم تأتّى لهم بالممارسة والتفكّر والاستيقان، فأحرزوا معنىً وقيمة لوجودهم، وحازوا نعما وبركات في دنياهم وأخراهم.

عندما يكون العبد مخلصا في حبّه لله، متعلّقا به سبحانه، متّبعا سيْر نبيه ﷺ، وذا قلب ينبض بِـ ‘لا إله إلا الله محمد رسول الله’، حينها فقط يُرزق نعمة الثبات على ترديد الشهادة في هذه الدنيا، ويُكرَم بنعم تفوق عظمتها عظمة العرش، وتتّسع حدودها لتفوق رحابة السماوات السبع، وتتألق لتتجاوز جمال عالم الروح وبهاء قلبٍ مُلأ معرفةً بالله.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.