قصة مترابطة بتسلسل سور القرآن الكريم…بقلم نوري جاسم ..
بدأت الرحلة حين وقف رجلٌ بين يدي ربّه يقرأ الفاتحة يستفتح بها يومه، ثم خرج ليعين صاحبه في رعاية البقرة التي أُوكلت إليه، راجيًا أن يكون في أخلاقه سداد يوافق خُلُق آل عمران. وتمنى لنفسه زوجة من خير النساء، تشاركه رزق الله الذي يُنزل على عباده كما ينزل الخير على المائدة، ويرعى به أهل الأنعام، ويلتزم بما ورد في الأعراف من الهدي والآداب. ولمّا تعرض لبعض الظلم، صان قلبه عن الهوى، واعتمد على الله فيما أخذ وترك كما يُفعل في شأن الأنفال، ثم جدّد توبة نصوحًا، مستحضرًا قصص الأنبياء من يونس إلى هود إلى يوسف عليهم السلام.
ومع هزيم الرعد في الأفق، تذكر دعاء إبراهيم ومواقف أهل الحجر، مع ثنائه على ربه الذي جعل للناس رزقًا من النحل. وفي ليلة من ليالِ الإسراء، سافر بقلبه إلى بيت المقدس، ثم اعتكف في الكهف، يراجع ما بقي في صدره من الإيمان، ويربي أبناءه: مريم و طه، على منهج الأنبياء.
ولما أقبل الموسم العظيم، خرج مع الحج ومعه زمرة من المؤمنين يتقلبون في النور، ويدركون أن القرآن كان لهم فرقانًا، توارثه الشعراء في قصائد الشعراء، وقد ساروا كأنهم جيش من النمل لا يضلّ ولا يفسد. وأنسوا بقصص القصص، واتعظوا من ضعف بيت العنكبوت، واستبشروا يوم غلبة الروم، واستمعوا لحكمة لقمان، فسجدوا سجدة شكر كما في سورة السجدة،وتذكروا كيف نصر الله رسوله في الأحزاب، وكيف ابتلى قوم سبأ، وكيف يفيض رزقه على من يشاء كما في فاطر، فأقبلوا على تلاوة يس بصفٍ كصف الصافات، لا يصدّهم شيء كما في ص، يلهجون بالذكر مثل أهل الزمر، يدعون غافر الذنب، ويتفكرون في كتابٍ فُصِّلت آياته. وتشاوروا فيما بينهم كما في الشورى.
وحذّروا بعضهم من بريق الزخرف وتقلب الدخان، ومن مشهد الأمم الجاثية، واجتازوا أرض الأحقاف التي مر بها سيدنا محمد ﷺ، وتفاءلوا بـ الفتح الذي رزقهم الله، فبنوا الحجرات، وجعلوا تجارتهم “قاف”، ناشرين خيرًا كالرياح الذاريات، وتقلبت حياتهم أطوارًا بين الطور و النجم، حتى صاروا يُشار إليهم كما يُشار إلى القمر، وتعلموا الرحمة من الرحمن، لكن وقعت الواقعة التي قلبت حياتهم، فعاشوا أيامًا شديدة كقوة الحديد، فصبرت الزوجة ولم تكن كثيرة الجدال، واستبشروا بيوم الحشر، واعتبروا بما في الممتحنة.
وأقاموا صفوفهم كأهل الصف يوم الجمعة، وحذروا صفات المنافقين، فنجوا من التغابن. وإن كاد الطلاق يطرق بابهم، إلا أن الرحمن جعل بينهم رحمة التحريم، فنجوا بـ تبارك الذي بيده الملك، واستحضروا قصة صاحب نون. وتفكروا في الحاقة وارتقاء المعارج، واستهانوا ببأس الدنيا كما صبر نوح وأيوب، وساروا على أثر المصطفى الذي بلغ دعوته الإنس و الجن، وبدأ رسالته وهو مزّمّل و مدّثّر. حتى جاء القيامة، يوم يقف كل إنسان، ويشهد الملائكة المرسلات، ليقع الخلاف حول النبأ العظيم، وتنزع النازعات الأرواح، ويعلو شحوب عبس، وتنقلب السماوات في التكوير و الانفطار، ويحاقَب المطففون عند الانشقاق، ويظهر نور البروج إذا أقبل الطارق. هناك يرتفع ذكر الأعلى، وتغشى القلوب الغاشية، ويقوم أهل صلاة الفجر مطمئنين، يرفعون راية البلد، ويصلّون الشمس و الضحى ويسعون لــ الشرح والسكينة.
وإذ يقسم الله بـ التين، يتذكرون أصلهم من العلق، وليلة القدر، وبصيرة أهل البينة، ووقع الزلزلة، وجهاد العاديات، وشدة القارعة. ولم يغرّهم التكاثر، فجعلوا الأيام عصرًا، وتركوا الهمزة، واعتصموا برب الفيل وصوت قريش، وأعطوا الماعون، رجاء الكوثر، واستمسكوا ببشارة النصر، وحذروا أن يكون في أعناقهم مثل حبل المسد. ثم سألوه الإخلاص كما في الإخلاص، والنجاة كما في الفلق، والحفظ كما في الناس. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..


