بقلم : عمرو رشدي
تربط الشعبين المصري والمغربي علاقات تاريخية راسخة، تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى عمق الثقافة والوجدان المشترك ، فهما شعبان عربيان شقيقان، جمعتهما على مرّ العقود روابط المحبة والاحترام المتبادل، وتجلّت هذه الروابط في مواقف عديدة، كان آخرها الدعم الكبير الذي قدّمه الجمهور المغربي لمنتخب مصر خلال فترة إقامة بطولة كأس الأمم الأفريقية حيث لم تبخل الجماهير المغربية بالتشجيع والمؤازرة، إيمانًا منها بأن الرياضة جسر للتقارب لا ساحة للخلاف.
لقد أثبتت الجماهير المغربية، كعادتها، وعيًا رياضيًا راقيًا، فساندت المنتخب المصري بروح أخوية صادقة، وهتفت باسمه في المدرجات، في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين البلدين، ويؤكد أن الروح العربية الواحدة لا تزال حاضرة بقوة في الملاعب كما في الحياة العامة. هذا الدعم لم يكن غريبًا، فالمغاربة طالما وقفوا إلى جانب أشقائهم المصريين في المحافل الرياضية، تمامًا كما يفعل المصريون حين تتطلب المواقف ذلك.
غير أن هذه الصورة الإيجابية تعرّضت للاهتزاز بعد التصريحات والهجوم الذي صدر عن حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر تجاه الجماهير المغربية، وهو ما أثار حالة من الاستياء والتعجب، ليس فقط في المغرب، بل أيضًا لدى قطاعات واسعة من الشارع الرياضي المصري، فالمدير الفني، بحكم منصبه وتأثيره الإعلامي، لا يمثّل نفسه فقط، بل يمثّل كرة القدم المصرية، بل ومصر كلها في نظر المتابعين خارج الحدود.
من هنا، تبرز أهمية أن يتحلّى المدير الفني لمنتخب مصر، وأي مسؤول رياضي، بقدر عالٍ من الحنكة والذكاء والحسّ السياسي في التعامل مع الجماهير الشقيقة، خاصة حين تكون هذه الجماهير قدّمت دعمًا صادقًا ولم تتوقف عن التشجيع إلا بعد أن وُجهت إليها إساءات مباشرة، فالكلمة في الرياضة لا تقل أهمية عن الأداء في الملعب، وقد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا.
إن الحفاظ على العلاقات الطيبة بين الشعوب مسؤولية مشتركة، والرياضة يفترض أن تكون أداة لتعزيز هذه العلاقات لا سببًا لتوتيرها، والتاريخ المشترك بين مصر والمغرب، القائم على الاحترام والتعاون، أكبر من أي تصريح عابر أو انفعال لحظي، ومن هذا المنطلق، يبقى الأمل قائمًا في أن يتم احتواء هذا الموقف بحكمة، وأن تعود لغة الودّ والاحترام لتكون السائدة، حفاظًا على صورة الرياضة، وصونًا للعلاقات الأخوية التي تجمع الشعبين الشقيقين.
العلاقة بين مصر والمغرب ضاربة في أعماق التاريخ، ومتجذّرة في الوجدان الديني والثقافي للشعبين، قبل أن تكون علاقة سياسة أو رياضة، فمن منّا في مصر لا يعرف أو لا يحب القطب الصوفي الكبير سيدي أحمد البدوي، ابن مدينة فاس المغربية، الذي استقر في طنطا وأصبح أحد أعلام التصوف في مصر، وملتقىً للمحبين من كل أنحاء البلاد؟ لقد صار البدوي رمزًا روحيًا مصريًا–مغربيًا في آنٍ واحد، يجسّد كيف عبرت الروح المغربية إلى قلب مصر، فاحتضنتها الأرض المصرية بمحبة خالصة.
وكذلك الحال مع سيدي أبو الحسن الشاذلي، الإمام المؤسس للطريقة الشاذلية، الذي وُلد في المغرب، وتلقّى علومه على يد شيخه العظيم القطب عبد السلام بن مشيش، أحد أكبر أعلام التصوف في المغرب الإسلامي. ثم انتقلت أنوار الشاذلي إلى مصر، حيث عاش فيها، ودفن على أرضها، وانتشرت طريقته في ربوعها، لتصبح واحدة من أكثر الطرق الصوفية حضورًا وتأثيرًا في الحياة الدينية المصرية.
هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات تاريخية، بل جسور روحية حيّة، ربطت بين مصر والمغرب عبر القرون، وجعلت العلاقة بين الشعبين علاقة وجدان ومحبة قبل أي اعتبار آخر. فالمصريون حين يزورون أضرحة الأولياء، إنما يزورون تاريخًا مشتركًا، والمغاربة حين يذكرون أعلام التصوف، يرون في مصر امتدادًا طبيعيًا لمسيرتهم الروحية والعلمية.
من هنا نفهم أن العلاقات المصرية المغربية لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على وحدة الروح والهوية، وعلى تاريخ طويل من التبادل العلمي والديني والثقافي. ولذلك فإن أي توتر عابر، سواء في الرياضة أو غيرها، لا يمكنه أن يمسّ عمق هذه العلاقة، لأن ما يجمع الشعبين أعمق بكثير من مباراة أو تصريح.
إن استحضار هذا التاريخ المشترك يفرض علينا جميعًا إعلاميين، ومسؤولين، ورياضيين أن نكون على قدر هذه المسؤولية، وأن نحافظ على لغة الاحترام والتقدير، لأن مصر والمغرب لم يكونا يومًا شعبين متباعدين، بل كانا ولا يزالان شقيقين جمعتهما المحبة، ووحّدتهما القيم، وربطت بينهما أنوار الأولياء والعلماء قبل أن توحّدهما الهتافات في المدرجات.

