“التصوف.. جسر روحي للتقارب بين الأديان وبناء السلام العالمي”…بقلم الشيخ عبدالرؤوف اليماني الحسنى الحسيني مرشد صوفية الصين

الشيخ عبدالرؤوف اليمانى... شيخ صوفية الصين

“التصوف.. جسر روحي للتقارب بين الأديان وبناء السلام العالمي”…بقلم الشيخ عبدالرؤوف اليماني الحسنى الحسيني مرشد صوفية الصين

 

إنّ العالم اليوم، رغم تقدمه العلمي والتكنولوجي الهائل، يعيش أزمة روحية عميقة تُهدِّد قيم الرحمة والإنسانية التي جاءت بها جميع الأديان السماوية، وفي خضمّ هذا التناقض بين وفرة المادة وفقر الروح، يظهر التصوف الإسلامي كقوة ناعمة قادرة على إعادة التوازن بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، مهما كان دينه أو لونه أو لغته.

لقد وُلد التصوف من رحم الإسلام كطريقٍ إلى صفاء القلب ونقاء السريرة، وهو لا يقف عند حدود الطقوس والعبادات، بل يتجاوزها إلى معاني الحب الإلهي، والرحمة الشاملة، والاحترام المتبادل بين البشر. وهذا هو جوهر جميع الرسالات السماوية، التي تدعو إلى التوحيد والسلام الداخلي والخارجي.

في الصين، حيث تتعدد الديانات والمذاهب، من الإسلام والبوذية والطاوية إلى المسيحية والكونفوشية، وجد التصوف طريقه بين القلوب، لا عبر الدعوة اللفظية، بل من خلال القدوة العملية، والسلوك الأخلاقي، والتسامح العميق. فالصوفي الحقيقي لا يسعى إلى إلغاء الآخر، بل إلى فهمه، لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة جمال خلقه.

لقد ساهم شيوخ الطرق الصوفية في الصين، منذ قرون، في بناء الجسور بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى. كانوا دعاة سلام، لا دعاة صراع. علموا الناس أن التعدد سنة من سنن الله في الكون، وأن التنوع الثقافي والديني ليس تهديدًا، بل ثراءً إنسانيًا ينبغي أن يُصان.

والتصوف في جوهره ليس دعوة إلى الانعزال أو الهروب من الواقع، بل هو منهج إصلاحي عميق يقوم على تزكية النفس، وإحياء الضمير، ونشر الأخلاق الحميدة في المجتمع. ومن هنا، فإن دوره في التقريب بين الأديان لا يقتصر على الحوار الفكري، بل يمتد إلى التربية الروحية التي تُزيل الكراهية من القلوب وتزرع بذور المودة.

إنّ العالم اليوم بحاجة إلى فكر صوفي عالمي، يُعيد الإنسانية إلى طريق المحبة والسلام. وإذا كانت السياسة قد فرّقت بين الشعوب، فإنّ التصوف قادر على جمعها من جديد، لأنه يخاطب ما هو مشترك في كل الأديان: القلب.

لقد علّمنا كبار مشايخنا أن “من أحبّ الله أحبّ خلقه”، وأن “من رأى الله في كل شيء لم يعادِ أحدًا من خلقه”، وهذه هي القاعدة التي يجب أن يبنى عليها الحوار الديني في القرن الحادي والعشرين ، لان الصوفي الحقيقي فهو الخادم الحقيقي ،و طرق الصوفية هي طرق الخدمة التي تخدم من جميع مخلوقات الله تعالى .

وفي الختام، فإنّ التصوف ليس مذهبًا أو طائفة، بل هو ضمير الإنسانية المؤمنة، وهو الطريق الذي يمكن أن يوصلنا إلى سلام دائم، يعلو على حدود الدين والجغرافيا والسياسة، والتصوف هو طريق العودة إلى معرفة الله تعالى فمن خلال الحب والمعرفة والرحمة، يمكن للأديان أن تلتقي، ويمكن للبشر أن يعيشوا في انسجامٍ يُرضي الله ويكرم الإنسان

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *